السعيد شنوقة

396

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] قائلا : « فإن قلت : قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه ، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة ، فما وجه قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] قلت : الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجّهين إلى قوله تعالى : [ لمن يشاء ] كأنه قيل : إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك . على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب » « 1 » ومنه ما ذكره في تفسير الآية : فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [ السجدة : 14 ] ذوقوا العذاب الدائم في جهنم بسبب فعلكم المعاصي والكبائر « 2 » . ولئن حكّم المعتزلة العقل هنا فإن الأمر سمعي عند أهل السنة يعوّلون في أدلة المعصية على القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . ويعدّونها قطعية ، ويعتقدون أن المؤمن العاصي يدخل الجنة لوعد الله تعالى ، ووعده صادق ، وبنوا ذلك أيضا على أن أصل الاعتقاد راسخ والعوارض تزول ويعفى عنها وتغفر . ومن الأحاديث الشريفة التي يذكرونها في هذا المقام ما روي عن أنس قال : قال رسول الله : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » « 3 » . وعلى آية حال فإن المسلمين مجمعون على تخليد الكافر في النار وعلى تخليد من مات مؤمنا بغير ذنب في الجنة . أما من تاب على توبته فرآه جمهورهم لاحقا بالمؤمن الذي لم يقترف ذنبا . وجعله بعض المتكلمين في مشيئة الله تعالى . وقد جعل الخوارج من مات مذنبا بصغيرة أو كبيرة مخلدا في النار ؛ غير أنه في الجنة بإيمانه عند المرجئة لا تضرّه سيئاته . وخلّده المعتزلة في النار إن كان صاحب كبيرة إلا أنه في المشيئة لدى أهل السنة إذا أراد الله غفر له وأدخله الجنة ، وإن شاء عذبه ، وأخرجه من النار بعد ما كان مخلدا فيها ، وأدخله الجنة « 4 » .

--> ( 1 ) الكشاف : ج 1 ، ص 532 - 554 . ( 2 ) م ن ، ج 3 ، ص 243 . ( 3 ) سنن الترمذي ، ج 4 ، ص 625 رقم ، 2435 وانظر شرح العقيدة الطحاوية ، ج 1 ، ص 260 وما بعدها . والغزالي أبو حامد ( ت 505 ه ) ، معارج القدس في مدارج معرفة النفس ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، ط 2 ، ص ، 153 والقنوجي صديق بن حسن بن علي ، يقظة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار ، ص 117 ، 184 ، 187 . وابن القيم أحمد بن إبراهيم بن عيسى ( ت 1329 ه ) ، شرح قصيدة ابن القيم ، ج 1 ، ص 259 . وسليمان بن عبد الله بن محمد ( ت 1233 ه ) شرح كتاب التوحيد ، ج 1 ، ص 52 . ( 4 ) انظر أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط في التفسير ، ج 3 ، ص 670 .